محمد الغزالي

6

فقه السيرة ( الغزالي )

ويكتفون من هذا التعظيم بإجلال اللسان ، أو بما قلّت مؤنته من عمل . ومعرفة السيرة على هذا النحو التافه تساوي الجهل بها . إنه من الظلم للحقيقة الكبيرة أن تتحول إلى أسطورة خارقة ، ومن الظلم لفترة نابضة بالحياة والقوة أن تعرض في أكفان الموتى . إن حياة محمد صلى اللّه عليه وسلم ليست - بالنسبة للمسلم - مسلاة شخص فارغ ، أو دراسة ناقد محايد ، كلا كلا ؛ إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها ، ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها ، فأيّ حيف في عرض هذه السيرة ، وأي خلط في سرد أحداثها إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه . وقد بذلت وسعي في إعطاء القارئ صورة صادقة عن سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واجتهدت في إبراز الحكم والتفاسير لما يقع من حوادث ، ثم تركت للحقائق المجلوّة أن تدع اثارها في النفوس دون افتعال أو احتيال . وقد استفدت من السير التي كتبها القدامى والمحدثون استفادة حسنة . إن المؤرّخين المحدثين يميلون إلى التعليل والموازنة ، وربط الحوادث المختلفة في سياق متماسك ، وذاك أحسن ما في طريقتهم . والمؤرّخون القدامى يعتمدون على حشد الآثار ، وتمحيص الأسانيد ، وتسجيل ما دقّ وجلّ من الوقائع والشؤون ؛ وفي هذه المحفوظات الكثيرة نفائس ذات خطر لو أحسن الاستشهاد بها وإيرادها في مواضعها . ولعلّي هنا مزجت بين الطريقتين على نحو جديد ، يجمع بين ما في كلتيهما من خير ، فجعلت من تفاصيل السيرة موضوعا متماسكا يشدّ أجزاءه روح واحد ، ثم وزعت النصوص والمرويات الأخرى بحيث تتسق مع واحدة الموضوع ، وتعين على إتقان صورته وإكمال حقيقته . وقصدت من وراء ذلك أن تكون السيرة شيئا ينمّي الإيمان ، ويزكّي الخلق ، ويلهب الكفاح ، ويغري باعتناق الحقّ والوفاء له ، ويضم ثروة طائلة من الأمثلة الرائعة لهذا كله . إنني أكتب في السيرة كما يكتب جنديّ عن قائده ، أو تابع عن سيده ، أو تلميذ عن أستاذه ، ولست - كما قلت - مؤرّخا محايدا مبتوت الصلة بمن يكتب عنه .